السياسة هي في النهاية إدارة الشؤون العامة للناس بهدف تنظيم وتحسين أمور حياتهم، ولأن الشؤون العامة للناس متشعبة ومرتبطة، تشعبت هذه الإدارة وكان لزاما عليها أن تكون مترابطة، بما يؤمن سلامة خطاها، وبالتالي توفير الخدمة الأكمل نفعا لهم. السياسة بهذا المعنى ليست وظيفة شخص معين أو مجموعة معينة، ممن نطلق عليهم اليوم صفة “السياسيين”، أو الطبقة السياسية، السياسة بهذا المعنى وظيفة كل فرد في المجتمع، يمارسها من موقعه بطريقة عيشه ونظم حياته وقواعد علاقاته.
طرائق عيش الإنسان ونظم حياته وقواعد علاقاته وأهدافه وغاياته مبنية على مجموعة قيم ومبادئ يؤمن بها، ويسعى لأن تكون حاكمة على الجميع، ويعمل بكل دأب وجهد لكي تكون حاكمة على الجميع، ولا شك أنه يسر وبشعر بالأمان أكثر إذا ما سرت هذه الحاكمية، وتعلو نسبة المسرورية عنده بقدر ما يؤمن بصوابية قيمه ومبادئه.
ولأن النقابي هو الإنسان الذي يتقدم قومه بما بحمل من قيم ومبادئ، ليكون لهم فيها قائدا، فمن الطبيعي أن يكون من أوائل السياسيين وظيفة ودورا في إدارة الشؤون العامة للناس التي منها تنبع المناحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية للناس.
عندما ينطلق النقابي في المجتمع ليسبر غور معاناة من يمثل من العمال، ويطلب لهم هذا الحق، ويرفض ذلك الظلم، فإنما يقوم بأرقى وظيفة في عملية إدارة الشؤون العامة للناس،النقابي في وظيفة طلب الحق ورفض الظلم إصلاحي أول، بل بان أول للحياة العامة السليمة للبشرية أجمع وليس للعمال فقط.
النقابي، يطلب الحق للناس ويرفض الظلم لهم، على طريق تحقيق العدالة الاجتماعية في المجتمع، طلب الحق ورفض الظلم تكليف الهي قام به الأنبياء والأولياء الصالحين من عباد الله على مر التاريخ، وهو وظيفة كل إنسان رسالي ما دامت الحياة البشرية قائمة.
نعم، لا شأن للنقابي بالسياسة الملتوية، اللاعبة على حبال المصالح الخاصة الضيقة والمتفلتة من كل القيم والمبادئ، النقابي سياسي سوي ثابت على الحقوق والمصالح العامة الملتزمة بقيم العدالة والإنصاف وتطبيقها بين الناس. وهذه أحد أوجه مكامن شبهة الإشكال على الحركة النقابية واتهامها دائما بتسييس تحركها المطلبي بل وبتسييس شؤونها النقابية
السياسة التي تمارس خطيئة طلب المصالح الخاصة الشخصية أو الفئوية، وتبني عليها أدوارها وارثها من مواقع التفريط بالقيم ترمي النقابيين بالتهم، وتثير حولهم الشبهات، لأنهم يطلبون المصالح العامة الحقيقية للناس من مواقع الحرص على قيم الناس ومبادئهم العليا، هذه هي الحقيقة التي تشهد عليها طبيعة العلاقات القائمة بين السياسة التي تنتهجها الحركة النقابية في الدفاع عن حقوق الناس وبين السياسة التي تقدم نفسها سلطة وتسلطا على ساحة الإدارة العامة لشؤون الناس.
السياسة النقابية تعمل على إدارة الشؤون العامة للناس المترابطة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا من موقع هذا الترابط الواقعي، لا تفصل السياسة النقابية في إدارتها للشؤون العامة للناس بين السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بينما السياسة التي تقدم نفسها سلطة فصلت بين ذلك، ورأينا الآثار الاقتصادية والاجتماعية لهذا الفصل في العديد من أوطان الناس، وإذا ذهبنا إلى حاكمية العلاقة بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية فالفجوة أوسع، لا اعتبار للشؤون الاجتماعية المعيشية والحياتية والمجتمعية في السياسات الاقتصادية السلطوية ، بينما الشؤون الاجتماعية المعيشية والحياتية والمجتمعية للناس هي الحاكمة على السياسات النقابية في إدارة الشأن العام للناس.